ولادة طاغية
برلين، أبريل 1945.
العالم يحترق، والرايخ الثالث ينهار تحت وقع القنابل وجحافل الجنود.
في أعماق ملجأ مظلم، جلس رجلٌ تلطخ رداؤه العسكري بالغبار والدماء. وجهه شاحب، عيناه الميتتان تحدقان في الخرائط الممزقة أمامه…
أدولف هتلر.
الفوهرر. الرجل الذي قاد العالم إلى حافة الهاوية.
كان يسمع وقع أقدام الجيش الأحمر يقترب، يسمع صرخات الجنود، هدير الدبابات…
لكن كل ذلك لم يعد يهمه.
العالم خذله… أو ربما هو من خذل العالم.
رفع المسدس بيده المرتعشة، وضعه على صدغه، وأغمض عينيه.
طلقة واحدة… وانتهى كل شيء.
—
أو هكذا ظن.
لكن الموت لم يكن النهاية.
لقد كان البداية.
—
حين فتحت عيناه مجددًا، لم يكن هناك دخان ولا نيران…
بل سماء زرقاء صافية، ودفء شمس لطيف.
تسللت نسمة هواء ناعمة، تحمل معها رائحة حديد… ونار.
صرخ وهو يحاول النهوض، لكن لم يخرج سوى بكاء طفل حديث الولادة.
نظر حوله… كانت امرأة جميلة تحدق به بعينين دافئتين، تهمس بحنان:
“أهلاً بك في العالم، صغيري… إريك.”
مرّ تسع سنوات منذ ولادته من جديد.
صار اسمه الآن إريك شتاين، الابن غير الشرعي لعائلة نبيلة تُعرف في أرجاء المملكة بلقب “حدّادي المملكة”.
لكن الحقيقة… كانت أكثر مرارة.
عائلة شتاين، رغم شهرتها، لم تكن سوى صانعي أدوات المطبخ الملكية… مقالي، قدور، وشوك تُباع في الأسواق كأنها كنوز. مئات الأعوام من توريث مهارات الحدادة النبيلة، فقط ليصنعوا أدوات الطهي!
لكنهم لم يكونوا عاديين… كانوا يمتلكون “سلالة الحديد”. قدرة سحرية تُمنح لأفراد العائلة، تخوّلهم التحكم في جميع أنواع المعادن. يستطيعون تشكيل الحديد، تطويعه، تحويله إلى أدوات معقدة… أو، كما اكتشف لاحقًا، إلى مقلاة لا تلتصق!
—
في صباح دافئ، جلس إريك على مقعد خشبي قديم، صغير الحجم مقارنة بماضيه. كان يراقب والده، فريدريك شتاين، وهو يحمل بيديه مقلاة جديدة، يرفعها بفخر أمام عينيه كأنها تاج ملكي.
“انظر إلى هذا، يا إريك!” قال الأب بابتسامة واسعة وهو يلمع سطح المقلاة بمنديل قطني. “إنها لا تلتصق أبدًا! بإمكانك طهي البيض بدون زيت!” ثم تمتم بصوت حالم: “أسلافنا سيكونون فخورين…”
إريك… أو هتلر السابق… جلس يحدق في المقلاة بعينين جامدتين. يداه الصغيرتان تقبضان على طرف الكرسي، وأسنانه تطحن بعضها ببطء.
أنا… قائد الرايخ الثالث.
أنا… من هزّ أركان العالم.
وأنت، يا هذا، تريدني أن أصبح صانع مقالي؟!
—
مرور الوقت… واستيقاظ القوة
السنوات بطيئة، كل لحظة كانت اختبارًا لصبره. لكن في يوم مشؤوم، وعندما بلغ الثامنة من عمره، استيقظت بركته الحديدية.
وفي خلال يوم واحد فقط، صنع سيفًا لم يسبق لأحد في العائلة أن شاهده.
كان الحديد ينبض تحت أنامله، وكأنه يستجيب لروح ملوثة بالنار. السيف… لم يكن مجرد قطعة سلاح، بل تجسيد لغضب مكبوت.
الحديد فيه يتنفس، واللمعان يُشبه وهج شمسٍ جديدة.
وقف المعلم العائلي بجانبه، وقد تجمد في مكانه، ملامحه مذهولة، قبل أن يهمس: “هذا ليس سيفًا… هذا إعلان حرب.”
لكن… فريدريك شتاين، والده، ربت على كتفه وقال بحماس صاخب: “ممتاز، يا بني! سيكون هذا السيف رائعًا لتقطيع اللحم! تخيّل كم ستصبح شرائح اللحم مثالية!”
—
المشهد: السلاح المقدس… والمقلاة!
في عمق الورشة الخاصة، كانت النيران مشتعلة، والشرر يتطاير في كل اتجاه. رائحة الحديد المنصهر تختلط بالدخان، والجو كأنك في مصنع أسلحة سرّي وسط الرايخ!
جلس إريك أمام طاولة خشبية محروقة، تتناثر فوقها قطع معدنية صغيرة، تروس، زنادات، وأسهم حديدية دقيقة. كان يعمل بتركيز شيطاني. عيناه تضويان بجنون السيطرة، عضلاته متوترة، وهو يركب الأجزاء، يثبت الزناد، ويختبر مرونة السهم.
قطرة عرق سقطت على الخشب… لكنه لم يمسحها.
—
وفجأة…
كريك…
انفتح باب الورشة ببطء.
“إريك؟!”
صوت ناعم، حنون، فيه دفء الأمومة.
تجمد في مكانه للحظة.
اللعنة…!
دخلت أمه، ماريا شتاين، تحمل سلة مليئة بالخبز الساخن. وجهها مليء بالحب، بالبراءة.
وخلفها، والده فريدريك، ضخم البنية، يحمل بيده مقلاة جديدة، يلمّعها بفخر كما لو كانت سيفًا أسطوريًا.
—
ماريا نظرت حولها بدهشة، قبل أن تبتسم قائلة:
“يا حبيبي! كل هذا… علشان تصنع مقلاة جديدة؟!”
نظر إليهم إريك، والشرر لا يزال يشتعل حوله.
وفي يده… زناد حديدي، الدخان يتصاعد منه.
وفي تلك اللحظة… ضغط عن غير قصد على الزناد.
ززززت!
انطلق السهم المعدني، مخترقًا الجو بسرعة!
تشييييك!
واستقر مغروسًا في الحائط خلفهما، على بُعد إنش واحد من رأس والده!
—
ماريا صرخت بفزع، بينما اندفع فريدريك بجسده ليحميها.
ثم التفت إلى إريك، مذهولًا، وعيونه تضيق على السلاح في يده.
“ما هذا…؟”
ثم فجأة، تهللت ملامحه بإعجاب، وقال بانبهار:
“هل هذه… مقلاة قاذفة؟! يا لك من عبقري!!”
—
إريك تجمد…
مقلاة؟!
بأي جحيم يتحدث هذا الرجل؟!
ماريا ضحكت، ووضعت يدها على صدرها، قائلة برقة:
“يا حبيبي، اخترعت شيئًا جديدًا! مقلاة تطلق السهام! هل تسخن الطعام أثناء إطلاق النار؟!”
ابتسم إريك ابتسامة باردة، كأنها شفرة، وقال بصوت ميت:
“نعم… يمكن استخدامها للطهو… أثناء القضاء على الأعداء.”
تقدم فريدريك بحماس، وضع يده الثقيلة على كتف ابنه، وكاد يسحقه، ثم قال بفخر:
“أنت عبقري حقيقي! سلالة الحديد تعيش فيك!
سنجعل هذا السلاح جزءًا من أدوات المطبخ الملكي!”
—
صفّقت ماريا بيديها بحماس:
“تخيل! يمكن للأمهات حماية أطفالهن أثناء طهو العشاء!”
في داخله، كان إريك يصرخ:
…سأحرق هذا العالم.
—
المشهد التالي: حدادة إريك الخاصة
لم يكن أمامه خيار.
لو أراد تنفيذ مخططاته، فهو بحاجة إلى أرضٍ خاصة به… حدادة يمكنه أن يعمل فيها كما يشاء، بعيدًا عن أعين الطيبين.
طلب من والده حدادته الخاصة.
ولأن عبقريته أصبحت حديث العائلة، أعطاه فريدريك ورشة منفصلة في أطراف القصر.
—
المشهد: ساحة شتاين الكبرى – ظهيرة يوم صيفي
الهواء ساكن، لكنه محمل بحرارة مشؤومة.
الأطفال يقفون في صفوف منتظمة، عيونهم واسعة، متطلعة، متحمسة.
بعضهم يمسك مطرقة، وبعضهم الآخر سيفًا قصيرًا صنعوه بأنفسهم.
إريك يقف على منصة مرتفعة.
معطف أسود بسيط يغطي جسده، لكن وقفته وحدها تجعلهم يبتلعون ريقهم بخشية.
رفع يده ببطء…
وساد الصمت.
ثم قال بصوت عميق، كأنه معدن يُطرق بمطرقة ثقيلة:
“أنتم… لستم مجرد أطفال.”
“أنتم… لستم مجرد أبناء حدادين.”
“أنتم نار الحديد التي لا تنطفئ!
دماؤكم تحمل سلالة عظيمة، لكنها ضاعت في هذا العالم الضعيف…
عالم لا يعرف إلا الطهي بالمقالي!”
—
ابتسم ببطء، نظراته تجول على الوجوه البريئة، ثم تابع:
“لكنني جئتُ لأعيد لكم مجدكم.
جئتُ لأعيد بناء سلالة الحديد كما كانت… كما يجب أن تكون!”
رفع قبضته عالياً، وصوته علا كأنه زئير مدفعية:
“نحن الحديد النقي! نحن السلالة العليا!”
اهتز الهواء حولهم، وبعض الأطفال شهقوا بلا وعي.
—
“سنبني إمبراطورية جديدة… لا تعرف الضعف، ولا تعرف الرحمة.
عالم جديد… تحت راية العرق الحديدي!”
—
نظر إليهم بحدة، وقال بصوتٍ منخفض، لكنه مسموم:
“من معي… سيحصل على المجد.”
“ومن يقف ضدي… سيذوب في بوتقة الحديد!”
صمت لثانية، ثم أشار إلى العلم الأسود خلفه، وقد طُبع عليه شعار المطرقة المتقاطعة مع المقلاة.
“اقسموا الآن… اقسموا علي الولاء للعرق الحديدي!”
—
رفع الأطفال أيديهم بحماس، وصرخوا بصوتٍ واحد، كأنهم جيش شياطين:
“نقسم! للعرق الحديدي! للمستقبل الحديدي!”
—
ابتسم إريك…
وفي عينيه نار قديمة لم ولن تنطفئ.
—
MANGA DISCUSSION